محمد خليل المرادي
152
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
الشافعيّة بالقدس أكثر من خمسة وعشرين سنة بلا طلب ، بل ألزمه فيها شيخه الخليلي المتقدّم وأهل القدس ، لحسن اطّلاعه على فروع المذهب . وله فتاوى في مجلّد ، حسنة مجموعة محبوكة مستحسنة . فأقلامه تنثر جواهر الدرر ، ويراعه يجري بلطائف الغرر ، وله رسائل كلّها منتخبة ، فوائدها طرائف مستعذبة ، منها رسالة كبيرة في سيّدنا موسى الكليم عليه السلام . وله نظم متوسّط ، فمنه قصيدة أنشدها حين توجّه مع جملة من الفضلاء ، صحبة الشيخ محمّد الخليلي إلى زيارة سيدنا موسى عليه السلام « 1 » ، وأخذوا كتاب الإمام مسلم وقرءوه هناك . وهي قوله : هلمّوا بنا يا سادة الوقت والعصر * إلى سفح غور القدس من شرقه نسري نشاهد أسرارا وروحا وراحة * ونزداد خيرا من حمى عالي القدر فليس لنا من دهرنا وزماننا * ليالي وصل ، دون قطع ولا هجر سوى مدّة في روضة مستطابة * عليها جلال رائق في ربا الزهر هي لكليم اللّه نورا وهيبة * وأمنا وأنوارا تلوح مع الفجر فكم نالنا من فضله وكماله * لطائف أسرار تجلّ عن الحصر لقد كان من فوق السّماوات راحما * لأمة خير الخلق طه النبيّ الطهر فكان رسول اللّه ليلة أن سرى * إلى ربّه ذي العرش والعزّ والنصر يناجيه في أمر الفريضة يا لها * مناجاة محبوب بلطف مع البشر فناداه بالخمسين قد صار أمرنا * على الخلق فامض يا رسول ذوي القدر فجاء إلى موسى بن عمران مسرعا * وأخبره بالفرض من عالم الأمر فقال له ارجع يا حبيبا محبّبا * وسل ربّك التخفيف يا مخجل البدر فإنّي بلوت الخلق يا خير مرسل * بما فرض اللّه الكريم من الذكر فما صبروا بل بدّلوه وغيّروا * فباءوا بآثام من اللّه والوزر وأمتك الغرّ الكرام ضعيفة * تقصّر في الخمسين من شدّة الإصر إلى آخرها وهي طويلة . وكان ديدنه التقشّف في الملبس والتخشّن في المأكل ، عما عليه الناس من حبّ التزيّن ، مهابا
--> ( 1 ) زار الشيخ عبد الغني النابلسي هذا الضريح سنة 1101 ه ووصفه بالتفصيل : انظر : الرحلة القدسية ص 208 - 212 .